اقرأ في عدد اليوم
  محمد عبد الحكم دياب:  العناد أصبح يمثل البعد الرابع في السياسة الرسمية المصرية
  عزت القمحاوي:  ماذا في نزار؟
  بسام ابو شريف:  القذافي يخطف عرفات خلال قمة للصمود والتصدي في طرابلس ليصالحه مع الملك حسين في عمان (3 - 15)
  سليم عزوز:  عادل امام علي قناة الحياة وشهوة الكلام في القضايا الكبري!
  رشاد أبوشاور:  علي كنعان في برزخ الجنون : استحضار زمن وأصدقاء ومدينة
تصويت
هل تتوقع انتخاب رئيس للبنان قبل القمة العربية؟

نعم

لا


من تاريخ 19-02-2008  الى تاريخ 02-03-2008
مزيد من الأخبار
بيوت من نابلس حارة الياسمينة: درة المدينة وحاملة أسرارها
محمد الجالوس
2008/05/02
في العام 1998 حظيت بدعوة من وزارة الثقافة الفلسطينية لمهرجان رام الله الأول، كان ذلك في صيف العام نفسه عندما انطلقت العربة باتجاه نابلس، وكان يجلس في المقعد الخلفي امرأة في العقد الخامس وفتاة في أواسط عقدها الثاني، ورجل مسن، يرتدي كوفية بيضاء مرقطة بالأسود ، وبيده قطعة قماش حمراء، كان حريصاً علي ضمها إلي صدره طوال الرحلة.
الوجهة نابلس، هكذا استقبلت يومي الثالث في رام الله، لم أنم ليلتها كما ينبغي، كان صديقي الدكتور مجيد عوض يصرّ علي ملء الليلة، بحديث الذكريات، والتعليق بين قصة وأخري علي مقالب صديقنا عزت الراميني، وحدها رحلة نابلس، كانت تسيطر علي،... تري هل سأتمكن من السير في شوارع المدينة وحيداً، دون لقاء جنود الاحتلال؟ هل ثمة حواجز علي الطرقات، وهل سيكون بمقدوري تصوير المدينة من الداخل، رسم ملامحها، الحديث مع أهلها؟ كل هذه الأسئلة ظلت تلح علي، وأكثر منها، هواجس الطريق.
العربة تسير بسرعة، وعلي أطراف الشارع، ثمة مرتفعات وسهوب، يعتريها الصمت، وقليل من أشجار الزيتون المنتشرة في الوديان، فجأة أطلت كتلة ضخمة من البنايات علي قمة الجبل، ملت إلي السائق الذي كنت أجلس بجانبه في المقعد الأمامي وسألت: هل هذه البنايات لفلسطينيين؟ أجاب بكثير من الغصة، انها مستعمرة، ثم أردف: الأخ ليس من نابلس! قلت: اتيت من عمان، أجاب: أهلاً وسهلاً، كيف أخبار عمان؟ لقد أقمت فيها لعشر سنوات مضت، قبل مجيء السلطة، وها أنذا كما تري أعمل سائقاً علي خط نابلس. كان الرجل يفرك أرنبة أنفه بين لحظة وأخري، يده علي المقود، وأصابعه تدندن علي وقع أغنية لفيروز، قلت: هل الطريق طويل؟... كم تبقي من الوقت؟ أجاب: ربع ساعة أو أقل وأضاف: هذه زيارتك الأولي لنابلس؟ قلت: نعم. ومضت العربة تطوي الشارع سيء التعبيد.
كنت موزعاً بين فكرتين، الأولي حول المدينة، وهل سأتمكن من السير فيها وحيداً، دون أن أضل الطريق، أما الثانية، فهي فرحي الداخلي في لقاءٍ لطالما حلمتُ به، أوليست نابلس، حاملة عبق التاريخ وثالوث بلاد الشام، القدس، نابلس، دمشق.
منذ العام 1992 وانا ارسم المدن التي احب، تقليد اخذته علي نفسي من زمان، بدأته بمدينة الفحيص الاردنية ثم السلط وصولا الي القدس في العام 2000 وهي محطة اعيد بها علاقتي بالطبيعة كمرجع وذريعة للتجريد الذي انتمي له واحبه، حيث اعيد بناء ما انكسر في علاقتي بالمرئي واترك وثيقة للمكان هي جزء من مهمتي كرسام كما اعتقد.
هناك في العام 1996 عندما رسمت مدينة السلط، بحجارتها الذهبية التي قدت من جبال البلقاء، كان الكل يذكرني بالشبه الكبير بين نابلس والسلط، وكنت أحسُ في حجارة المدينة أن ثمة ما هو أكثر من الشبه المعماري، فأهل نابلس الذين هاجروا إلي السلط في مطلع القرن الماضي أو بعد النكبة الأولي، أصبحوا من أهلها بامتياز، يحتفظون أو هكذا جداتهم وأجدادهم بالعادات النابلسية القديمة، بنوا بيوتهم كما فعلوا في نابلس تماماً، بذات العقل المعماري المبدع والبدائي، وقد وجدوا في أهل السلط، أنصاراً حقيقيين، ضيقوا وحشة الجغرافيا وتواصلوا مع حقيقة التاريخ.
العربة تقترب أكثر فأكثر... ونابلس تطل من بعيد، للوهلة الأولي ظننت أنني في السلط، فهذا الوادي الذي يفصل جبلي المدينة، هو ذات الوادي الذي يقسم السلط إلي قسمين.
وهذه البيوت التي تصعد الجبل دون تعب، هي ذات البيوت التي ذكرتها الجدة المبدعة فدوي طوقان في كتابها، رحلة جبلية رحلة صعبة، اظنها كانت تشير الي وعورة مسيرتها ووعورة الجغرافيا، وهنا ايضا ارتفع صوت شاعر فلسطين ابراهيم طوقان بأنشودة موطني، وهنا كتب الثلاثاء الحمراء، سيرة محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي، وهنا مرت قوافل المدنية الاولي، فنابلس كما كتب المؤرخون، واحدة من اقدم المدن واكثرها تأثيراً في تاريخ المنطقة، وهنا كتبت بالدم سيرة جبل النار، وحكت قلعة الثوار اسرارها كي يمر الليل ويمنح العشاق يرغول الغناء، ومواويل الميجنا وزريف الطول. هنا حمل البناؤون، حجارة الوادي وارتقوا بها كي يرفعو اعمدة الحارات واقواس الممرات وقباب الساحات، وهنا عقدوا الدبكات ولوحت الصبايا بالمناديل، هنا كانوا وهنا يبقون، ان جاعت يطعمونها لحم صدورهم ويسوقون الغيم من ابطه كي لا تعطش.
توقفت العربة في محطة الباصات،... الوجوه ذاتها وهي التي اعرف من عمان اللباس، الأطفال.. كل شيء بدا لي مألوفاً، وقفت للحظات، أتأمل جبلي عيبال وجرزيم، قلت: يا الله، ما أجمل هذه البيوت التي تعانق السماء، تماماً، ذات العبارة، هذا ما قلته في زيارتي الأولي للسلط.
سرت بحذرٍ أول الأمر، ثم توقفت أمام كوخ صغير علي حافة الشارع، بحثت في جيبي عن عملة أردنية، قلت لبائع الماء والشاي: هل هذه تصلح للشراء؟ أجاب بسرعة: طبعاً، تناولت زجاجة ماء بارد وذهبت.
تري من أين أبدأ، التبس علي الأمر، اخترت حارة قديمة، بيوتها مزينة بالأقواس، كانت الأزقة تستدرجني شيئاً فشيئاً، استسلمت للظلال التي ارخت خيوطها الهادئة علي أرض معبدة بالاسمنت، الممرات تعبق برائحة الياسمين، القباب التي تظلل الممرات، الأبواب التي تتقابل في ذات الزقاق، كأنها بيت العائلة، أبواب هنا وأبواب هناك، انعطفت إلي اليمين، وكنت تائه الخطي، هل أدخل هذه الحارة المعتمة، أم استمر بالسير في الزقاق المضيء؟ قلت لنفسي: لأجرب هذا الطريق الضيق المعتم، عله يفضي إلي بيوت قديمة أخري.
يا الله، وجدت ضالتي،... أنا في المكان الذي أعشق، طفل صغير في العاشرة أو أكثر بقليل، يرتدي بلوزه حمراء، كتب عليها اسم ماركة تجارية عالمية (Levis)، يرتدي بنطالاً داكن اللون، وحذاء رياضياً لم يربطه جيداً، ملامحه جميلة، وشعره القصير مائل للشقرة، كان يتبعني دون أن أشعر، انتبهت إليه، توقفت وسألته عن هذه الحارة العجيبة، قال بنباهة الطفل الجريء والذكي معاً: هذه حارة الياسمينة،... إذاً أنا في حارة الياسمينة ، وبقي هذا الطفل يتبعني، ثم تبادلت معه بعض العبارات، حول بيته وأهله، كان يجيب دون تحفظ..
الآن صرت أكثر جرأة علي دخول الممرات وأقواس البيوت التي تفضي جميعها إلي ساحات ضيقة، تفصل عائلة عن أخري، أصبح معي الآن، صديقي الصغير، جهاد، ... لا أذكر اسمه بالضبط ولكنه علي الأغلب، جهاد، فقد كان اسمه مشتقاً من عبارات النضال والكفاح.
مرت سنوات عشر علي لقائي به للمرة الأولي، يجتاحني السؤال الآن حول مصيره، تري أين انت يا جهاد، هل ما زلت تجوب حارة الياسمينة ، وانت الان شاب في العشرين أو أكثر بقليل، أم دهمك العدو وأنت في الزقاق، في أتون الانتفاضة الثانية؟ أصرت أسيراً، في اقبيته الباردة؟ ربما جريحاً، او شهيداً؟ مصيرك مفتوح علي مصراعيه، او قد تكون الآن منفياً خارج وطنك.
هاانذا ارسم الحارات التي جبناها معاً، الوان الظلال التي وقفنا تحتها، كنا نلوذ بها من وطأة الشمس الحارقة ونستعير منها لغة الياسمين ونتفيأ باغصان النارنج، هل تذكر يا جهاد كيف تحلق حولنا الصبية كي نلتقط لهم الصور، وكيف دعانا الرجل المسن الي بيت دمره الزلزال قبل الف عام، تناولنا معاً الشاي وحدثنا الشيخ عن ذكريات الانتفاضة الاولي، هل تذكر؟
يستبد بي الشوق، إليك يا جهاد، يا صغيري الذي قادني ذات صباح إلي مشارف الياسمين، وظلال البيوت الحنونة.
خطوة خطوتان ونعبر الممر المعتم، تاخذنا الطريق الضيقة الي درج يفضي الي بوابة بقوس وجدار تتناسل من جوفه النباتات وبقايا الاغصان الصفراء وجدار قديم كتب عليه بعض عبارات الحب واثار لملصق قديم يحمل صورة شهيد. في الزقاق المفضي الي شارع السوق، بدت لي الالوان والبضائع المنتشرة علي ابواب المحال التجارية، ساحة كرنفال، الكنافة النابلسية ويافطة كتب عليها مطعم العكر، قلت لنفسي: ليس من الحكمة ان ازور نابلس ولا اتناول الكنافة، دلفت الي المطعم ووقفت في زاوية تمكنني من متابعة المشهد كاملاً.
من الداخل راقبت وجوه الناس وعلي مسافة قريبة كان يطل برج الساعة، سرت اليه بخطاً وئيدة، ثمة حراس يرتدون زي الشرطة الفلسطينية، بعد ان القيت التحية، قلت للشرطي: هل من الممكن الصعود الي هذا البرج؟ اتمني ان التقط صورة للمدينة من هناك، واشرت بيدي الي الطابق العلوي، تلكأ بالرد، تبادل النظرات مع زميله وسألني: هل انت صحفي؟ قلت: لا، انا رسام، من مخيم الوحدات، ابتسم وسمح لي بالصعود.
يا الله، من بني كل هذه البيوت الجميلة، ومن زرع هذا الياسمين الذي يطوق الأبواب والجدران، يتصاعد رويداً رويداً، حتي يصل الشرفات، في الطوابق العلوية؟ انه جدي القديم، ذات الجد الذي كان يسافر فجراً إلي الشام، حاملاً بضائعه وزوادة الطريق، كي يعود مسرعاً في اليوم التالي، محملاً بالحلاوة الدمشقية وشتلات النارنج والليمون،... كنت حريصاً جداً علي توثيق كل ما رأيت، البيوت، الشوارع، الأزقة، القباب، وكنت حريصاً أيضاً علي حفظها في عيني وقلبي، عندما أعود لعمان سوف أرسم كل ما رأيت، وها أنذا قد عدت.. مرت سنوات طويلة، قبل أن أفتح علبة الذكريات، واقلِّب صور ورسومات نابلس، وتلك الحارة التي امتدت إليها يد العدو الصهيوني بالتدمير في الانتفاضة الثانية، لقد ظلت عصية علي دوريات الاحتلال، بازقتها الضيقة ولم تمنح بواباتها للجنود، يحرسها الشباب في الليل وفي النهار يغلقون مداخلها بالحجارة والطوب، كانت الحارة لعنتهم وياسمينها عدوهم اللدود.
مرت أعوام عشرة علي زيارتي لنابلس، وذات مساء عماني ومن شرفة بيتي المطلة علي صحن المدينة، كنت أحدث صديق طفولتي وابن مخيمي، ناصر عبدالكريم حول تلك الرحلة، وعن حلمي برسم ما رأيت، وحفظه للتاريخ، لم يعلق صاحبي في ذات الليلة، لكنه ظل يفكر في الأمر، استسلم كما فعلت، لحلم جميل،.. الحارة تنهض من دمارها وتنفض عنها غبار القذائف التي طالت مسجدها القديم، وياسمين بيوتها الأزلي، لم يعلق يومها، فقط هاتفني في صباح اليوم التالي، وقال: لماذا لا ترسم نابلس، ولماذا لا تبدأ اليوم بتوثيق ما رأيت وما تعرض للهدم والدمار؟ قلت، هل تعتقد ذلك؟ هل الوقت مناسب؟... قال: الوقت مناسب دائماً للعمل من أجل فلسطين، أنت منذ اليوم، رهن الياسمين.
بهذه العبارة، وجدتني أعبر نابلس، تعبرني الحارة، تملأ قلبي ووقتي، لأقدم لصديقي ناصر، عنوان محبة، وهو زارع الياسمين كما أحب أن أسميه، وللحارة درة نابلس وحاملة أسرارها، وأسرار أهلها الطيبين، الذين ما زالوا يسقون بدمهم شتلات الياسمين لتظل تتعربش علي مداخل بيوتهم وتحفظ لهم ولجدي، ذكريات رحلة الشام الصباحية، حكاية جبل النار.
فنان تشكيلي من الاردن

qpt3

Hassan - Nablus - haret el yasmeenah
This town is my origin, 27 yrs old and enver been there, I wish if I even get the chance to see it. Hassan

بسام ابوغزالة - شكر أخي محمد
رسومك لحارات نابلس العتيقة كانت أجمل توثيق فني لهذا التراث العظيم. فشكرا لك. وكان رائعا أن تقيم في عمان معرضا لهذا الفن التوثيقي الرائع. فشكرا لك ثانية. تذكرتك في الأيام القليلة الماضية إذ مشيت في تلك الحارات اتنسم عبق التاريخ والصمود من حجارة دورها العتيقة، تلك التي حاول الغزاة هدمها فما استطاعوا. الفنانون، يا محمد، هم فرسان التاريخ، فامض قدما، وفقك الله!

suzanne deeb - MOHAMED JALOOS ARTICLE
I enjoyed this article very much .the author took me with him to beloved Nablus that he even made me smell the jasmine.thank you.keep up the good work for our dear Palestine.

هاني العزيزي - لوحات وكلمات رائعة
لقد تجولت في معرض الفنان الجالوس في المركز الثقافي الملكي في عمان ، واستمعت إليه ، وقرأت ما كتب ، لقد عبر بريشته وبكلماته الرائعة عن حبه لكل الأوطان .

نابلس - نابلس عبق التاريخ
كتب الصحفي العربي أحمد بهاء الدين، عندما تعرضت نابلس في الأشهر الأولى للاحتلال الإسرائيلي عام 1967 لحصار شديد وهجمة شرسة مقالا في مجلة "المصور" في عددها الصادر في سبتمبر 1967 بعنوان "نابلس والخبز المر" قال فيه: "المدن عندي كالأشخاص! هناك الشخص الذي تنجذب إليه وتحبه من الوهلة الأولى وكذلك المدن. ونابلس العربية من المدن التي وقعت في حبها من النظرة الأولى.. يوم بكيت المدن العربية وهي تسقط بكيت نابلس بكاء خاصًّا، ساعتها قفزت إلى مخيلتي كل الوجوه التي عرفتها، وفي المقدمة صديقي العلامة قدري حافظ طوقان، وكل المرافق والآثار والحدائق الكبيرة التي تتنزه فيها العائلات على صوت نوافير المياه، والمباني الحجرية والشوارع القديمة التي تشعر بعد دقائق من السير فيها أنك تسير في الغورية وفي سيدنا الحسين بالقاهرة...". ويتابع "الآن نابلس الأبية تعيش تحت الحصار والاحتلال، ويتربص في جنباتها الموت، وتخلو المدينة من أهلها، وتصمت أصوات النوافير؛ فلا يسمع الناس إلا أصوات الرصاص ودوي القنابل! وأنباء هذا الأسبوع تقول: إن نابلس في قلب المقاومة والنضال، وهي اليوم مركز العذاب". التراث أيضا يُذبح وهاهي مدينة نابلس التي تعتبر ثاني أقدم مدينة في العالم بعد أريحا، منذ نيسان الماضي تتعرض إلى حصار شديد لم يسبق له مثيل، وهجمة احتلالية طالت الشجر والحجر. فقد تعرضت عشرات المباني الأثرية ذات القيمة التاريخية داخل البلدة القديمة بشكل خاص -وما تزال- إلى عمليات مبرمجة من الهدم والتدمير؛ حيث تقوم المجنزرات والجرافات الإسرائيلية بذبح تراث إنساني عريق يمتد إلى مئات السنين. وقد جاء اسم نابلس تحريفًا لاسمها اليوناني "neapolis" -بمعنى المدينة الجديدة- تمييزًا لها عن مدينة "شكيم" التي دُمرت سنة 67م زمن الإمبراطور "نيرون" الذي أرسل أحد قادة جيشه بحملة عظيمة دمرت شكيم بالكامل بسبب تمرد سكانها. وهي من أقدم مدن العالم في موقع "تل بلاطة" وهي بلدة كنعانية. وقد شيدت نابلس الحالية ما بين سنتي "71-72م" غرب مدينة شكيم المدمرة، كما أنها احتلت مكانة هامة منذ العصر الوسيط. ووصفها "ابن الفضل العمري" بالإشارة إلى أن جميع المدن الفلسطينية كانت تحتاج إلى ما تنتجه نابلس من خيرات. وهي العاصمة الطبيعية للإقليم الجبلي. ونابلس مدينة مستطيلة قليلة العرض في واد خصيب بين جبلي عيبال الذي يبلغ ارتفاعه "880 مترًا" عن سطح البحر شمالا، وجبل جرزيم ويبلغ ارتفاعه "940 مترًا" عن سطح البحر جنوبا، والمسمى بجبل الطور أيضا. وبلغ عدد سكان محافظة نابلس في الإحصاء السكاني الذي أجري عام 1997م حوالي 180 ألف نسمة، موزعين على المدينة و4 مخيمات للاجئين تحيط بها، بالإضافة إلى أكثر من 70 قرية تتبع المدينة. المدينة.. متحف طبيعي نابلس ثاني اقدم مدينة يواجه أهلها الاحتلال والهدم وتتكون نابلس القديمة من سوقين: الأولى تمتد من الباب الشرقي حتى نهاية الباب الغربي، أما السوق الأخرى فتقع إلى الشرق من السوق الأولى، يبلغ طولها نصف طول السوق الأولى. وتزخر المدينة بالجوامع والمساجد؛ حيث يبلغ عددها أكثر من 75 مسجدًا (وهو عدد كبير بالنسبة لمساحتها الجغرافية) فسميت "مدينة المساجد"، منها المسجد الكبير على أبواب السوق الشرقية التي كان الصليبيون قد حولوها إلى كنيسة كبيرة عُرفت باسم "كنيسة البعث". وعندما تحررت المدينة عقب معركة حطين حمل هذا الجامع اسم المسجد الصلاحي الكبير. كما يعتبر جامع "الخضراء" الواقع في حي الياسمينة من المساجد الرائعة التي شيدت في العصر المملوكي، بناه السلطان "سيف الدين بن قلاوون" وكان على النمط القوطي، وكذلك جامع الأنبياء والعامود والساطون والبيك. وعلى غرار المنازل السورية القديمة اهتم سكان المدينة الأوائل بتشييد منازلهم لكي توفر لهم أسباب الراحة؛ حيث الغرف الكبيرة والقاعات الواسعة وبرك المياه التي تتوسط ساحة البيت، وهو ما دفع الرحالة "أوليا جلبي" إلى تشبيهها بالحصون. وكان سكان نابلس يستخدمون الحجارة الكلسية الصلبة في البناء، وهو ما يجعل المدينة تبدو كأنها متحف طبيعي؛ حيث الأنماط المعمارية المختلفة، منها الإسلامي والأيوبي والمملوكي والتركي والإنجليزي والحديث. كما تضم البلدة القديمة عددًا من الحمامات التاريخية يبلغ عددها الآن 10 حمامات كانت تستخدم قديمًا للاستحمام، بالإضافة إلى أهميتها العلاجية، مثل حمام الريشة والدرجة والشفاء. وتشتهر نابلس أيضًا بمصانع الصابون والملبوسات، ولا ننسى مصانع الحلويات وخاصة الكنافة النابلسية الشهيرة. الاحتلال الثالث على التوالي وهذه هي المرة الثالثة التي تعايش فيها نابلس حصارًا مشددًا واحتلالا كاملا من قبل الجيش الإسرائيلي هذا العام. فمع بدء عملية "السبيل الحازم" في 19-6-2002 اجتاحت عشرات الدبابات والمدرعات الإسرائيلية أرجاء المدينة، وفرضت على سكانها نظام منع التجول، وعزلتها عن المحيط الخارجي لها؛ حيث سبق أن تعرضت المدينة لاحتلالين متتالين، كان أولهما خلال عملية "السور الواقي" أوائل نيسان من العام الحالي، حيث بقيت مدة 22 يوما متواصلة تحت احتلال وحظر تجول متواصل، وشهدت أحياؤها وخاصة داخل البلدة القديمة اشتباكات عنيفة بين الشبان الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين؛ فاستشهد 80 مواطنا، وأصيب المئات من الأهالي. وفي المرة الثانية دخلتها القوات الإسرائيلية مدة أسبوع كامل في 29-5-2002 خرجت على إثرها خالية الوفاض. وخلال الاحتلال الحالي -الذي دخل شهره الثالث على التوالي- كانت البلدة القديمة أكثر الأحياء تعرضًا للإجراءات القمعية القاسية والاحتلال العسكري المكثف والحصار وتدمير المنازل وتفجير الأبواب والمحال التجارية. فقد بلغت عدد البيوت التي فجرتها القوات الإسرائيلية في المدينة 25 بيتا وأكثر من 100 محل تجاري. النسف لمرور الدبابة نابلس تراث وجمال يحاولون نسفه كما طال التدمير المساجد الأثرية في المدينة؛ فجامع الخضراء المملوكي تعرض خلال الاجتياح الأول لدمار كبير أجهز على ما تبقى منه خلال الاجتياح الأخير. وبمجرد الوصول إلى مدخل السوق من ناحية الشرقية تجد أن معالمها قد تغيرت تماما.. فبعد أن كان هناك صفان من المحال التي تبيع الخضار يفصلهما شارع ضيق تحول المكان إلى شارع يزيد اتساعه عن 10 أمتار تسير فيه شاحنة كبيرة بكل أريحية؛ فقد نسف الجيش الإسرائيلي جميع تلك المحال بدون استثناء، وجرف أحجارها، وفتح بدوره ممرا واسعا ومنفذا لداخل البلدة القديمة. وما إن تصل إلى أبواب المسجد الصلاحي الكبير الذي يقع في صدر البلدة القديمة من الناحية الشرقية حتى يبدأ الأمر يسوء؛ فالدمار -على حد قول الكثيرين- لا يمكن وصفه، والخراب منتشر في كل مكان، والبيوت الأثرية القديمة التي كانت نوافذها الجميلة تطل على السوق تحولت إلى مجرد أطلال تقف للبكاء عليها وعلى ساكنيها. ويشعر المرء بالخوف أثناء السير من انهيار بعض الجدران التي ما زالت متماسكة، ولكنها على وشك السقوط، أو من التعثر بأكوام الركام والجدران المنهارة التي ارتفعت عن الأرض إلى درجة أصبح من المستحيل معها رؤية الطرف الآخر من الحي التاريخي الذي ظل شاهدًا على عراقة المدينة قرونا طويلة. ولم يكن خان التجار -ذلك المعلم الأثري والتجاري الذي يميز نابلس عن غيرها من المدن الفلسطينية، والذي يحوي بين جنباته عشرات المحال التجارية التي تبيع الألبسة والأحذية والتحف، وتغطيه قبب مسقوفة جميلة، ويؤمه السياح من كل حدب وصوب- بأحسنَ حالا؛ فقد تحول في لمح البصر إلى ما يشبه الأرض الخراب التي هجرها ساكنوها من آلاف السنين. أما حي القصبة (وهو الحي الذي شهد مواجهات دامية بين الشبان الفلسطينيين وقوات الاحتلال، وكان بمثابة القلعة التي يتحصن فيه المسلحون) فتقف فيه عدد من البيوت شامخة بعد أن استعصت على الهدم، لكنها أصبحت الآن وحيدة وسط مئات المنازل التي سوتها الجرافات الإسرائيلية بالأرض؛ فلقد دارت هناك معارك ضارية بين المقاومين الفلسطينيين وجيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يجد طريقا للتوغل داخلها إلا من خلال منازل المدنيين، حيث استطاعت وحدات "كوماندوز" إسرائيلية بفتح ثغرات في هذه المنازل من خلال هدم جدرانها، ثم عملت عشرات الجرافات الإسرائيلية على توسيعها وهدم ما تبقى منها بعد ذلك. ولم تسلم المدارس من الهدم والتدمير؛ فقد أقدمت القوات الإسرائيلية خلال الاجتياح الأول على تدمير أجزاء من مدرسة الفاطمية التي شيدت عام 1905. وبعد البدء بإجراء الترميمات عاودت الدبابات لهدم عدد من فصولها الدراسية. وتكرر الأمر عندما قامت جرافات الاحتلال بهدم أجزاء من مدارس الجاحظ وعبد المغيث الأنصاري وجمال عبد الناصر وغيرها. كما هدمت قوات الاحتلال أجزاء من سوق الحدادين وعددًا من الحمامات في المنطقة الغربية التي تعرضت لحملة تدمير وهدم واسعة. وشمل الهدم أجزاء أثرية من الأقواس والقناطر التي بُنيت فوقها المنازل التاريخية القديمة. الهدف.. تهجير السكان واعتبر سعيد كنعان -مدير مركز البحوث الفلسطينية في المدينة- أن ما حصل من تدمير في البلدة القديمة مخطط ومدروس منذ فترة طويلة من قبل إسرائيل لتحقيق هدفين: الأول: تدمير التراث الإنساني والحضاري للمدينة؛ وذلك لفك الارتباط بين المواطن وتراثه لتصبح المدينة القديمة خالية من هذا التراث الذي يربط الإنسان بحضارته. والثاني -وهو الهدف الإستراتيجي لحكومة شارون-: وهو تحقيق فكرة "الترانسفير"، وليس من المصادفة التركيز على نابلس كبرى مدن الضفة الغربية والقلعة الصامدة تاريخيا بهدف جعلها نموذجا لباقي مناطق فلسطين، كما أن التدمير يهدف إلى جعل حياة الإنسان صعبة جدا ومستحيلة. ويقول الحاج أبو نواف -71 عاما-: كنا نسمع آباءنا وأجدادنا يقولون: إن المدينة وقعت سبع مرات في زمن نيرون وزلزال شعبان/ مايو 1201؛ حيث مات تحت الأنقاض ثلاثون من السكان، وكذلك خلال هزة عام 1927 التي أصابت العديد من المدن الفلسطينية، بالإضافة إلى النكبة عام 1948 والانتفاضة الأولى عام 1987 والثانية عام 2000، وغيرها الكثير من الأحداث، إلا أن نابلس كانت دوما تخرج منتصرة لتبقى عراقة نابلس راسخة في ذاكرة التاريخ.

علي أحمدي - بيوت من نابلس
رغم انني لست فلسطينيا .. و لا من نابلس .. و لكنني عشت لحظات اهتزت مشاعري معها و فاضت بكل معاني الجمال و حب الأرض و المنزل و البيت و الحارة و الوطن .. كم كنت رائعا في هذا المقال و مع هذا الوصف الخيالي لحارة الياسمينة .ولقد جعلتني أحلق الى جميع حوارينا و أزقتنا العربية العتيقة .. الجميلة المحببة الى النفس .. كنت كأنني ماسكا بتلابيب قميصك و اجري ورائك لكي امتع ناظري بهذا الجمال و الفن و العبق الياسميني و التراثي لهذه الحارة .. لهذا الوطن .. و كدت المس جهاد و هو يحدثك عن الحارة و أهلها و صبيانها .. و شممت رائحة الكنافة و القهوة .. و شاهدت الغضون التي تغطي وجه ذلك العجوز و كأنها سيقان شجرة زيتون أو نارنج أو برتقال .. سيدي كم كنت رائعا ..

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

الأسم:
بريدك الألكتروني:
الموضوع:
التعليق:
in